العلامة الحلي
36
الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )
من أن تحصى . وادّعى النّبوّة فيكون صادقا ، وإلّا لزم إغراء المكلّفين بالقبيح فيكون محالا . أقول : لمّا كانت المصالح تختلف بحسب اختلاف الأزمان والأشخاص ، كالمريض الّذي يختلف أحواله في كيفيّة المعالجة واستعمال الأدوية بحسب اختلاف مزاجه في تنزّلاته في المرض بحيث يعالج في وقت بما يستحيل معالجته به في وقت آخر ، كانت النبوّة والتّشريع مختلفين بحسب اختلاف مصالح الخلق في أزمانهم وأشخاصهم . وذلك هو السّر في نسخ الشّرائع بعضها ببعض إلى انتهت النّبوّة والشّريعة إلى نبيّنا محمد الّذي اقتضت الحكمة كون نبوّته وشريعته ناسختين لما تقدّمهما ، باقيتين ببقاء التّكليف . والدّليل على صحّة نبوّته هو انه ادّعي النّبوّة ، وظهر المعجزة على يده ، وكلّ من كان كذلك كان نبيّا حقّا . فيحتاج إلى بيان أمور ثلاثة : الأوّل ، إنّه ادّعى النّبوّة . الثّاني ، انه ظهر المعجزة على يده . الثّالث ، انه كلّ من كان كذلك فهو نبىّ حقّ . أمّا الأوّل ، فهو ثابت إجماعا من النّاس بحيث لم ينكره أحد . وأمّا الثّاني ، فلانّ المعجز هو الأمر الخارق للعادة المطابق للدّعوى المقرون بالتحدّى المعتذر على الخلق الإتيان بمثله . أمّا اعتبار خرق العادة إذ لولاه لما كان معجزا كطلوع الشمس من مشرقها ، وأمّا مطابقته الدّعوى فلدلالته على صدق ما ادّعاه ، إذ لو خالف ذلك كما في قضية مسيلمة الكذّاب لما دلّ على الصّدق ، وأمّا التّعذّر على الخلق فلانّه لو كان أكثرىّ الوقوع لما دلّ أيضا على النّبوّة . ولا شكّ أيضا في ظهور المعجزات على يد نبيّنا ، وذلك معلوم بالتّواتر الّذي يفيد العلم ضرورة . فمن ذلك القرآن الكريم الّذي تحدّى به الخلق ، وطلب منهم الإتيان بمثله فلم يقدروا على ذلك ، عجزت عنه مصاقع الخطباء من العرب العرباء حتّى دعاهم عجزهم إلى محاربته ومسايفته الّذي حصل به ذهاب نفوسهم وأموالهم وسبى ذراريهم ونسائهم ، مع انّهم كانوا أقدر على دفع ذلك لتمكّنهم من مفردات الالفاظ وتركيبها ، مع أنهم كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة والكلام والخطب والمحاورات والأجوبة . فعدولهم عن ذلك إلى المحاربة دليل على عجزهم ، إذ العاقل لا يختار الأصعب مع إنجاع الأسهل إلّا لعجزه عنه ، ومن ذلك انشقاق القمر